الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
354
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
بعبارة أخرى : إن المنافقين لم يريدوا الإخبار عن واقعية رسالة رسول الله وإنما أرادوا الإخبار عن اعتقادهم برسالته ، وهذا من الكذب المحض . ومن الملاحظ أن المنافقين استخدموا كل الطرق لتأكيد شهادتهم ، غير أن الله كذبهم بشدة وبنفس اللهجة التي أكدوا فيها شهادتهم . وهذه إشارة إلى أن المنافقين يجب أن يواجهوا بنفس الشدة التي يؤكدون فيها على صدقهم . ونشير هنا إلى أن " المنافق " في الأصل من مادة ( نفق ) على وزن " نفخ " بمعنى النفوذ والتسرب و " نفق " " على وزن شفق " أي القنوات والتجاويف التي تحدث في الأرض ، وتستغل للتخفي والتهرب والاستتار والفرار . وأشار بعض المفسرين إلى أن بعض الحيوانات كالذئاب والحرباء والفأر الصحراوي ، تتخذ لها غارين : الأول واضح تدخل وتخرج منه بصورة مستمرة ، والآخر غير واضح ومخفي تهرع إليه في ساعات الخطر ويسمى " النفقاء " ( 1 ) . والمنافق هو الذي اختار طريقا مشبوها ومخفيا لينفذ من خلاله إلى المجتمع ، ويهرب عند الخطر من طريق آخر . وتذكر الآية اللاحقة العلامة الثانية : اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون . ذلك لأنهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ، ويضعون الموانع والعراقيل في طريق هداية الناس ، وليس هناك أقبح من أن يمنع الإنسان غيره من الاهتداء . " جنة " من مادة ( جن ) ( على وزن فن ) وهي في الأصل بمعنى إخفاء شئ من الحس ، ويطلق هذا الاسم على ( الجن ) لأنه مخلوق غير واضح ، ويقال للدرع الذي يستر الإنسان من ضربات العدو في لغة العرب ( جنة ) ويقال أيضا للبساتين المكتظة بالشجر بسبب استتار أراضيها فتسمى ( جنة ) .
--> 1 - روح البيان ، ج 9 ، ص 529 .